سهيلة عبد الباعث الترجمان
433
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
مفترقة عنه في ظهورها الكوني ، وبفنائها تعود لتتلاقى في حبه بعد ذلك ، وهكذا يمثل لنا دائرة الوجود بأن أولها حب وافتراق ، وآخرها حب وتلاق ، ومحور الوجود دائما هو الحق ، ومحيطها ما لا يحصى عدده من مجالي الوجود ، إذ الكل يخرج من المركز والكل يعود إليه « 1 » . وهذا روح مذهبه في وحدة الوجود . فمهما اختلفت الأوصاف فتسميتها معبودا من وجه وتسميتها محبوبا من وجه آخر يمثلان وجهي الحقيقة الوجودية ، فالمسمّى واحد من الوجهين ، ومن هنا يخلص ابن عربي إلى نتيجة هامة وهي أن المحبوب على الإطلاق هو عين المعبود على الإطلاق ومن هنا جاء قسمه باسم " الهوى " . وعلى ذلك يمكننا القول والحالة هذه أنّ نظريته في الحب الإلهي متفرعة عن مذهبه الصوفي العام وهو مذهب وحدة الوجود ، بل تعتبر هذه لازمة من لوازم المذهب عنده ونتيجة من نتائجه . ولما كان الفناء نتيجة محبة وتعشق للذات الإلهية ، فإن هذا الفناء الذي يعانيه الصوفي يؤدي به في النهاية إلى شهود الحق متجليا في آثاره المختلفة ، إذ أن المشاهدة التي يراها ابن عربي هي فناء ينتهي فيها الإنسان ، ولم يقدّر شهود الحق إلّا للرسول الكريم . وما يقع لأكابر أهل الطريق ليس إلّا زيادة يقين كأنه مشاهدة « 2 » . هكذا كان للفناء عند ابن عربي وشيوخه معان عدة يأخذ بها هؤلاء في حال تحققهم بالفناء ، فهي تعبير عن حالات وجدانية خاصة تذوقوها بعد أن خاضوا غمارها ، وطووا أمواجها برياضات روحية خاصة حتى وصلوا إلى غايتهم المنشودة وهي المشاهدة . ولا نعني بالمشاهدة مشاهدة العين الشحمية إنما هي مشاهدة القلب ، ويشير إلى أقوال شيوخه من أهل الطريق فيما عنوه بالفناء قال : " هكذا كان شيخنا أبو العباس بن العريف الصنهاجي الإمام في هذا الشأن يقول : " وإنما يتبين الحق عند اضمحلال الرسم " وكان شيخنا أبو مدين يقول « 3 » : لا بد من بقاء رسم العبودية ليقع التّلذّذ بمشاهدة الربوبية ، وكان القاسم بن القاسم من شيوخ القشيري يقول : مشاهدة الحق فناء ليس فيها
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص 327 . ( 2 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق ، مصدر سابق ، ص 15 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 520 .